عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

8

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

الصحيح ، وسميته : ب [ الإنسان الكامل ، في معرفة الأواخر والأوائل ] لكني بعد أن شرعت في التأليف ، وأخذت في البيان والتعريف ، خطر في الخاطر أن أترك هذا الأمر الخاطر إجلالا لمسائل التحقيق ، وإقلالا لما أوتيت من التدقيق ، فجمعت همتي على تفريقه ، وشرعت في تشتيته وتمزيقه ، حتى دثرته فاندثر وفرقته شذر مذر ، فأفل شمسه وغاب ، وانسدل على وجه جماله برقع الحجاب ، وتركته نسيا منسيا ، واتخذته شيئا فريا ، فصار خبرا بعد أن كان أثرا مسطورا ، وتلوث ( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) « 1 » وأنشد لسان الحال بلطيف المقال : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر فأمرني الحق الآن بإبرازه بين تصريحه وإلغازه ، ووعدني بعموم الانتفاع ، فقلت طوعا للأمر المطاع ، وابتدأت في تأليفه ، متكلا على الحق في تعريفه ، فها أنا ذا أكرع من دنه القديم بكأس الاسم العليم ، في قوابل أهل الإيمان والتسليم ، خمرة مرضعة من الحي الكريم ، مسكرة الموجود والعديم : سلاف تريك الشمس والليل مظلم * وتبدى السها والصبح بالضوء مقحم تجلّ عن الأوصاف لطف شمائل * شمول بها راق الزمان المصرم إذا جليت في أكؤس من حبابها * وديرت بدور الدهر وهو مزمزم وكم قلدت ندمانها بوشاحها * مقاليد ملك اللّه والأمر أعظم وربّ عديم ملكته نطاقها * فأصبح يثري في الوجود ويعدم وكم جاهل قد أنشقته نسيمها * فأخبر ما إبليس كان وآدم وكم خامل قد أسمعته حديثها * رقى شهرة عرشا يعزّ ويكرم فلو نظرت عين أزجة كوسها * لما كحلت يوما بما ليس تعلم هي الشمس نورا بل هي الليل ظلمة * هي الحيرة العظمى التي تتلعثم مبرقعة من دونها كلّ حائل * ومسفرة كالبدر لا تتكتم

--> ( 1 ) آية ( 1 ) سورة الإنسان .